تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

83

مباحث الأصول

يعلمون ، ونحو ذلك ممّا هو ظاهر في كون مصبّ الترخيص كلّ واحد من الطرفين تعيينا ، فتقييد كلّ من الترخيصين بترك الآخر وإن كان لا بأس به بلحاظ المدلول الإنشائيّ ، إذ ليس فيه عدا مئونة التقييد ، لكنّه لا يتمّ لاستلزامه قلب الترخيص في كلّ طرف بعينه بحسب المدلول التصديقيّ الجديّ إلى الترخيص في الجامع ، وهذه مئونة زائدة لا تستفاد من مجموع دليل الترخيص التعينيّ ، وقرينة عدم إمكان الترخيص في كلّ من الفردين بالإطلاق ، فقياس ما نحن فيه في كلام المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه وفي كلام المحقّق النائينيّ قدّس سرّه لدى بيانه لشبهة التخيير بما لو قال : أكرم كلّ عالم ، وعلمنا بعدم وجوب إكرام زيد وعمرو معا ، حيث نستفيد في مثل ذلك التخيير ، يكون من باب الغفلة عن المدلول الجدّيّ الأقصى ، وقصر النّظر على المدلول الإنشائيّ ، فالواقع أنّ استفادة التخيير في مثل هذا المثال هي مقتضى القاعدة ، ولكن في ما نحن فيه تكون على خلاف القاعدة . وقد تقول في المقام بجواز إجراء الأصل في أحد الطرفين على أساس مبنى نقوله في باب العموم ، وتوضيح ذلك : أنّنا نقول في باب العموم : إنّه إذا ورد مثلا : أكرم كلّ عالم ، وورد مخصّص - ولو متّصلا - لا يخرج عن تحت هذا العموم عدا فرد واحد مع احتمال خروج فردين ، وذلك لا بمعنى كون المخصّص مجملا مرددا بين الأقل والأكثر ، ويكون المتيقّن منه خروج فرد خاص ، بل بمعنى أنّ هذا المخصّص لم تكن له قابليّة إخراج أزيد من فرد واحد ، كانت نسبته إلى زيد وعمرو مثلا على حدّ سواء ، أي : أنّه على تقدير كون الخارج في الواقع كليهما - كما هو محتمل - لا يكون لما هو الخارج بهذا المخصّص تعيّن حتى في الواقع ، فعندئذ دليل حجّيّة الظهور هنا لا يسقط رأسا ، بل نلتزم بالتبعيض في الحجّيّة بحيث تثبت لنا قضيّتان مشروطتان : إحداهما : أنّه إن كان زيد خارجا ، فعموم العامّ حجّة في عمرو ، والأخرى : أنّه إن كان عمرو خارجا ، فعموم العامّ حجّة في زيد ، ونعلم إجمالا بحصول أحد الشرطين ، فنعلم إجمالا بحصول أحد الجزاءين ، فنعلم بنحو العلم الإجماليّ بوجوب إكرام أحدهما . ولا يتوهّم أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ في فرض المخصّص المنفصل ، حيث إنّ الظهورين ثابتان في هذا الفرض ، فيمكن دعوى حجّيّة كلّ واحد منهما على تقدير كذب الآخر . وأمّا إذا كان متّصلا فينتفي الظهوران ، لأنّ ثبوتهما معا غير معقول لفرض المخصّص المتّصل ، وثبوت أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح .